أبي منصور الماتريدي
52
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ أي : غائبين فائتين عنه . ويحتمل الآيات أو محمد أو القرآن أحق هو ؟ قل : إي وربي ، قل : نعم إنه لحق ؛ كقوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [ البقرة : 67 ] أخبر أن ما يأمرهم به ويدعوهم إليه ليس هو هزوا ولا لعبا ، ولكنه حق أمر من الله تعالى ؛ فعلى ذلك قوله : أَ حَقٌّ هُوَ . وقوله - عزّ وجل - : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ : هذا الحرف يحتمل أن يكون من الشاكين [ منهم ] « 1 » في ذلك طلبوا منه أنه حق ذلك أو لا ، ومن المعاندين استعجال العذاب الذي كان يوعدهم رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم استهزاء به وتكذيبا له ، ومن المتبعين له والمطيعين التصديق له والإيمان به ؛ كقوله : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها [ الشورى : 18 ] كانوا فرقا ثلاثة : فرقة قد آمنوا به ، وفرقة قد شكوا فيه ، وفرقة قد كذبوه . وقوله - عزّ وجل - : وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ : يخبر عنهم أنهم يفدون ويبذلون جميع ما في الأرض لو قدروا عليه عند نزول العذاب بهم لشدة العذاب ، وإن كان الذي منعهم عن الإيمان هو حبهم الدنيا وبخلهم عليها وما فيها بقوله : وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها [ يونس : 7 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ : الندامة لا تكون إلا سرا بالقلب ، فكأنه قال : حققوا الندامة في قلوبهم على ما كان منهم من التكذيب بالآيات والعناد في ردها . وقال بعضهم : وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ أي : أظهروا الندامة وهو مما يستعمل في الإظهار والإخفاء « 2 » ؛ كقوله : شعب : جمع ، وشعب : فرق ونحوه ، وبعد فإنه إذا أسر
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) إذا فسرنا الإسرار بالإخفاء ففيه وجوه : الأول : أنهم لما رأوا العذاب الشديد ، صاروا مبهوتين ، لم يطيقوا بكاء ولا صراخا سوى إسرار الندامة ، كمن يذهب به ليصلب ، فإنه يبقى مبهوتا لا ينطق بكلمة . الثاني : أنهم أسروا الندامة من سفلتهم وأتباعهم ؛ حياء منهم ، وخوفا من توبيخهم . فإن قيل : إن مهابة ذلك الوقت تمنع الإنسان من هذا التدبير ، فكيف أقدموا عليه ؟ فالجواب : أن هذا الكتمان قبل الاحتراق ، فإذا احترقوا ، تركوا هذا الإخفاء وأظهروه ؛ لقوله - تعالى - : رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا [ المؤمنون : 106 ] . الثالث : أنهم أسروا الندامة ؛ لأنهم أخلصوا لله في تلك الندامة ، ومن أخلص في الدعاء أسره ، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم ، أي : أنهم إنما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته . ومن فسر الإسرار بالإظهار ، فإنهم إنما أخفوا الندامة على الكفر والفسق في الدنيا ؛ لأجل حفظ الرئاسة ، وفي القيامة يبطل هذا الغرض ؛ فوجب الإظهار . ينظر اللباب ( 10 / 254 ، 255 ) .